زكريا القزويني
87
آثار البلاد واخبار العباد
يا شنفرى واستنقض الموضع وعد . فورد الشنفرى وشرب وصدر وقال : ما رأيت على الماء أحدا . قال تأبّط شرّا : بلى ما يريد القوم غيري ! فسر يا شنفرى حتى تكون من خلفهم بحيث لا يرونك وأنت تراهم ، فإني سأرد فأؤخذ وأكون في أيديهم فابدلهم يا عمرو حتى يطمعوا فيك ، فإذا اشتدّوا عليك ليأخذوك وبعدوا عني فابدر يا شنفرى حلّ عني ، وموعدنا قلّة جبل الحديد حيث كنّا ، وورد تأبّط شرّا وشرب الماء فوثب عليه القوم وأخذوه وشدّوا وثاقه ، فقال تأبّط شرّا : يا بجيلة إنّكم لكرام فهل لكم أن تمنّوا عليّ بالفداء وعمرو بن برّاق فتى فهم وجميلها على أن تأسرونا أسر الفداء وتؤمنونا من القتل ، ونحن نحالفكم ونكون معكم على أعدائكم ، وينشر هذا من كرمكم بين أحياء العرب ؟ قالوا : أين عمرو ؟ قال : ها هو معي قد أخّره الظمأ وخلّفه الكلال ! فلم يلبث حتى أشرف عمرو في اللّيل ، فصاح به تأبّط شرّا : يا عمرو إنّك لمجهود فهل لك أن تمكّن من نفسك قوما كراما يمنّون عليك بالفداء ؟ قال عمرو : أمّا دون أن أجرّب نفسي فلا . ثمّ عدا فلا ينبعث ، فقال تأبّط شرّا : يا بجيلة دونكم الرجل فإنّه لا بصر له على السعي ، وله ثلاث لم يطعم شيئا ! فعدوا في أثره فأطمعهم عمرو عن نفسه حتى أبعدهم ، وخرج الشنفرى وحلّ تأبّط شرّا وخرجا يعدوان ويصيحان : يعاط يعاط ! وهي شعار تأبّط شرّا ، فسمع عمرو أنّه نجا ، واستمرّ عدوا وفات أبصارهم واجتمعوا على قلّة الجبل ونجوا ثمّ عادوا إلى قومهم ، فقال تأبّط شرّا في تلك العدوة : يا طول ليلك من همّ وإبراق * ومرّ طيف على الأهوال طرّاق تسري على الأين والحبّاب مختفيا * أحبب بذلك من سار على ساق لتقرعنّ عليّ السّنّ من ندم * إذا تذكّرن مني بعض أخلاق نجوت فيها نجاتي من بجيلة إذ * رفعت للقوم يوم الرّوع أرفاقي